روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
20
عرائس البيان في حقائق القرآن
وأيضا خفافا بالتجريد عن الحدثان ، وثقالا بأنوار التوحيد إلى جمال الرحمن . وأيضا خفافا بنعوت الافتقار ، وثقالا بكسوة غنى العزيز الغفار ، وأيضا خفافا بالقناعة ، وثقالا بالتوكّل ، وأيضا خفافا بالبسط ، وثقالا بالقبض . قال ابن عطاء : خفافا بقلوبكم ، وثقالا بأبدانكم . وقال أبو عثمان : خفافا وثقالا في وقت النشاط والكراهية ، فإن البيعة على هذا وقعت . كما روي عن جرير بن عبد اللّه قال : بايعنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على المنشط والمكره . وقال بعضهم : خفافا إلى الطاعات ، وثقالا إلى المخالفات ، وجاهدوا بأموالكم للفقراء ألا تمنعوهم حقوقهم ، وجاهدوا بأنفسكم الشياطين ؛ كيلا تستولي عليكم . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 43 ] عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ ( 43 ) [ تفسير الآية 43 ] قوله تعالى : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ إن من سنّة اللّه سبحانه إذا أراد أن يفتح كنزا من كنوز غرائب علمه ، ونوال قربه ، ولطائف وصلته على أحد من أحبائه وأصفيائه وأنبيائه ، أوقعهم في محل الامتحان ، وأجرى عليه زلة من زلل الحدثان ؛ حتى يضيق صدره بالغيبة ، ويذوق قلبه مرارة الفرقة ، وتذوق روحه من الندامة ، ويطيح عقله من حشمة العتاب ، ويزول شبحه من دار الاحتجاب ، فيطلع اللّه شمس عزة جلاله من مطلع قلبه ، ويتنسم صبح الوصال من مشرق روحه ، وتبدو أنوار الصفات من روازن أسراره ، وتشرق سبحات الذات في أرض فؤاده ، وتتنور مجامع عقله بظهور سنا أفعاله ، فيرى العبد في البسط بعد القبض مشاهدة بديهية ، ووصلة أبدية ، وخطابا سرمديّا يطير بأنوارها في الازال والآباد ، وتصير ذلته زلفى ، وذنبه كشف وصلة ، ويقابل اللّه من ذنبه لجميع حسنات العالمين ؛ لأنه مصطفى في الأزل بمحبته ، ومجتبى بنوال قربه في القدم ، وتكون سيئاته حسنات ، وزلّاته زلفات ؛ لأنه مختار اللّه في أرضه ، وعروسه بين عباده ، جميع حركاته تقع حسنة ، وأفعاله تكون عند اللّه مستحسنة ، وهكذا شأن الأحباب ، المحب يعتذر لزلة حبيبه ، ويعشق على غيرة معشوقه ؛ لأن من كان حسنا ، فما يبدو منه أيضا يكون حسنا : فإن نطقت جاءت بكلّ ملاحة * وإن سكتت جاءت بكلّ جميل ملاحته ، وحسن وجهه يعتذر لذنبه في وجه شافع يمحو إساءته عن القلوب بالمعاذير : وإذا الحبيب أتى بذنب واحد * جاءت محاسنه بألف شفيع ما حطّك الواشون عن رتبة * عندي وما ضرّك مغتاب كأنهم أثنوا ولم يعلموا * عليك عندي بالذي عابوا